Twitter Twitter Facebook RSS linkedin

 

فؤاد دبوسي. ذكاء البكتيريا, حقيقة ام خيال؟

مجلة عالم الفكر-تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب (الكويت) – 2008-المجلد 37-ص 253-284

مقدمة

اذا نظرنا الى الصراع الدائر بين الانسان وأعدائه لوجدنا ان البكتيريا تحتل المرتبة الاولى والمتواصلة في هذا الصراع. صحيح ان البكتيريا لم يتم اكتشافها الا في منتصف القرن السادس عشر , الا ان الكثير من الامراض الميكروبية قد تم وصفها وصفاً دقيقاً من قبل الكثيرين من القدامى كالفراعنة وابقراط والاطباء العرب القدامى وغيرهم, مما يدل على ان هذا الصراع يرجع الى الاف السنين وما زال قائماً الى يومنا هذا رغم التقدم العلمي الباهر الذي وصل الى ادنى التفاصيل في حياة البكتيريا. واذا نظرنا الى ذلك العدو القديم المتجدد لوجدنا انه كائن حي صغير لا يرى بالعين المجردة, اذ لا يزيد طول البكتيريا عن بضعة ميكرومترات وقطرها لا يتجاوز 2 ميكرومترات (الميلليمتر يساوي 1000 ميكرومتر).

اننا نستطيع ان نفهم كيف ان هذه الجراثيم قد فتكت بالملايين من البشر في القدم قبل التطور العلمي, اي قبل اكتشاف المضادات الحيوية عام 1928 على يد العالم الالماني فليمنغ وقبل امكانية عزل هذه الجراثيم في المختبرات على بيئات معينة وامكانية دراستها والتعرف عليها, وقبل دراسة شيفرتها الوراثية ودراسة جيناتها وخصائصها المرضية, ولكنه من الصعب علينا بعد تطور هذه العلوم ان نفهم كيف ان هذا العدو الشرس مازال يفتك بالانسان وما زال يحتال على الانسانية, وما زالت ميزانيات ضخمة للدول تخصص لمقاومة ومحاربة هذا العدو. حتى ان الامال التي عقدت على المضادات الحيوية والتي جعلت العلماء يعتقدون بقرب الانتهاء من الامراض الجرثومية, هذه الامال تبددت امام المقاومة الشرسة والمنظمة والغير المتوقعة لادوية المضادات الحيوية التي فقدت بريقها وبات عصرها الذهبي وراءنا. كل هذه الامور تدفعنا للقول انه حتى الان ما زالت البكتيريا هي المنتصرة في المعركة, لا بل أنه ليست هناك اية بوادر عن اي تغير في مسار المعركة نحو انتصار الانسان, بل على العكس ان الكثير من العلماء المعاصرين يرون ان نهاية الانسانية على وجه الارض قد تكون بسبب الامراض الميكروبية. فالبكتيريا "جبهة لا نهائية" كما يسميها العالم ارنست ماير (Ernst Mayr) في كتابه هذا هو علم البيولوجيا (This is biology) (1). فها هو مرض السل ومرض الكوليرا ومرض الجذام ومرض السفلس وغير ذلك من الامراض التاريخية الضاربة في القدم ما زالت تفتك بالانسان حتى يومنا هذا (2), وهذا ان دل على شيئ فانما يدل على "ذكاء" هذا العدو وعلى شراسته وسنبين هذا الذكاء ونوعيته في سياق هذا البحث.

قد يفهم من هذه المقدمة ان البكتريا بقدراتها الضخمة ليس لها الا وجه سلبي, وهذا غير صحيح لان البكتيريا الممرضة التي نتحدث عنها لا تشكل الا نسبة ضئيلةً جداً من مجموع البكتيريا التي تسكن الارض منذ ملايين السنين ولكن السمعة السيئة للبكتيريا انما تعود لحجم الكوارث الانسانية التي سببتها على مدار العصور والازمنة. ولكننا نريد ان نؤكد وكما سنفصل في هذا البحث على الناحية الايجابية للبكتيريا في دورة الحياة على وجه الارض اذ لولا البكتيريا لما كان هناك حياة على وجه الارض, واول ظهور للاوكسجين على وجه الارض كان بواسطة بكتيريا اسمها سيانوبكتيريا (Cyanobacteria) منذ بليوني سنة تقريباً. والبكتيريا موجودة في كل مكان على سطح الارض حتى في المناخات والاماكن القاسية وهذا يدل على القدرة العالية لهذه الجراثيم على التأقلم مهما كانت الظروف, فالبكتيريا موجودة في المياه الحارة وفي الثلوج وفي المياه الكبريتية وفي اعماق الارض على عمق عشرة الاف متر حيث الضغط الهائل وتستطيع بعض جراثيمها تحمل اشعاعات غاما وتحمل نسبة ملوحة تزيد بعشرة اضعاف عن ملوحة البحر. هذه البكتيريات التي تعيش في ظروف صعبة تعرف بالاركيابكتيريا ومن المعلوم انه فوق حرارة 160 درجة كل مظاهر الحياة تصبح جرثومية. ومما لا شك فيه ان البكتيريا ذلك الكائن الحي الذي صمد على وجه الارض منذ ما يقارب 4 بلايين سنة حتى يومنا هذا, تتمتع بقدرات عالية من التأقلم و"الذكاء".

وكما في الطبيعة, كذلك البكتيريا موجودة ايضاً في جسم الانسان باعداد هائلة, اذ يتجاوز عدد البكتيريا الموجودة في جسم الانسان عدد خلاياه مجتمعةً بعشرة اضعاف وهي تعرف باسم الفلورا الطبيعية (Normal human flora), وهذه الفلورا تلعب دوراً مهماً في عملية هضم الاطعمة وفي انتاج بعض الفيتامينات في الجسم كالفيتامين K المهم في عملية تخثر الدم وفي الدفاع ضد الجراثيم الممرضة الخارجية, ذلك انه عندما يخسر الانسان الفلورا الجرثومية الطبيعية لسبب او لاخر يصبح عرضة لكثير من الامراض وخاصةً الالتهابات الفطرية (5,4,3).

وللبكتيريا أيضاً دور معاصر في تطور علوم الهندسة الجينية اذ استطاع الانسان استغلال هذه الكائنات الحية كمصانع لانتاج الادوية كالانسولين (Insulin), والانترفيرون (Interferon), والهرمونات (Hormones), والفيتامينات (Vitamins), واللقاحات (Vaccines), وفي المحاربة البيولوجية للتلوث (Bioremediation) اي كان هذا التلوث, وفي الصناعات الغذائية كالاجبان والالبان. وللأسف جاء هذا الاستغلال ايضاً في سبيل الشر كاستخدام البكتيريا وسمومها في الحروب البيولوجية (Biological warfare).

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون للبكتريا - هذا الكائن البدائي الصغير الحجم – هذا الشأن الكبير, السلبي من جهة لناحية انتصارها على الانسان صاحب العقل والذكاء والتطور العلمي, والايجابي من جهة اخرى لناحية القدرة الهائلة على التأقلم ولدورها في وجود الحياة على وجه الارض ؟

سنجيب عن هذه التساؤلات في سياق هذا البحث وسنرى كيف اودع الله عز وجل هذا الكائنات الحية صفات معقدة مثل حب البقاء, والصراع ضد الموت حتى الرمق الاخير, والتأقلم, والاقتصاد, والتوفير, والتنظيم, حتى ليخيل الينا اننا لا نتكلم عن ميكروب مجهري انما عن كائن حي بالغ في التعقيد.

 


اكتشاف البكتيريا

البكتيريا هي اول الكائنات الحية التي سكنت الارض وعايشت مغامراتها منذ بدايتها قبل حوالي 4 بليون سنة (6). البكتيريا كائن حي مجهري لا ترى بالعين المجردة وهي مؤلفة من خلية واحدة بسيطة التكوين وتحتوي على الشيفرة الوراثية الخاصة بها (DNA) والتي تعتبر مصدر عظمتها. ولا يوجد في البكتيريا نواة حقيقية اي ان الكروموزوم ليس محاطاً بغشاء كما في خلايا الانسان (الشكل 1). وما يميز هذه الكائنات الحية هو استقلاليتها اي انها تتكاثر بمفردها على عكس الفيروسات التي تحتاج ان تكون داخل الخلايا الحية كي تتكاثر.

        لم تكتشف البكتيريا الا في عام 1676 بواسطة الهولندي فان لوين هوك (Antonie Van Leeuwenhoek) الذي كان خياط اعلام وهو اول من طور المجهر ليستعمله لرؤية الخيوط والتدقيق في جودتها فاذا به يرى كائنات حية مجهرية وقام برسمها ولكنه لم يكن يدر انه كان يرسم البكتيريا. ثم تتالت الابحاث على يد علماء يعتبروا من رواد علم الميكروبات مثل باستور (Pasteur 1864) الذي اكتشف وطور اللقاحات ضد عدد من الامراض مثل داء الكلب, وارتبط اسم باستور بعملية البسترة لقتل الكائنات الحية المجهرية التي يمكن ان توجد بالسوائل وخاصة الحليب. ثم طرح سؤال كبير عن علاقة البكتيريا بالامراض وهل هذه الكائنات الحية موجودة في الطبيعة وداخل الانسان دون ان تتسبب بالامراض. قام روبرت كوخ (Robert Koch) في العام 1876 بالاجابة على هذه الاسئلة من خلال تجاربه على بكتيريا الجمرة الخبيثة (Bacillus anthracis) واثبت بطريقة علمية ومنهجية علاقة البكتيريا بالامراض وحتى الان مازالت طريقته تستعمل لاثبات علاقة بكتيريا معينة بمرض معين واطلق على طريقته مسلمات كوخ (Koch's postulates) ويمكن تلخيص هذه المسلمات بالطريقة التالية:

اولاً: يجب ان تكون البكتيريا التي نفتش عن علاقتها بمرض معين ان تكون موجودة في جسم كل شخص لديه هذا المرض.

ثانياً: يجب عزل هذه البكتيريا المسببة للمرض في المختبر على بيئة اصطناعية.

ثالثاً: يجب عند تعريض حيوانات المختبر لهذه البكتيريا المعزولة ان يتطور لديهم نفس المرض ونفس العوارض الموجودة عند الانسان.

رابعاً: يجب اعادة عزل نفس البكتيريا مرة اخرى من الحيوان على بيئة اصطناعية.

بهذه المسلمات استطاع كوخ ايجاد علاقة بين كثير من الامراض وبين البكتيريا واطلقت عندها كلمة الامراض الجرثومية (Infectious disease) بعد ان كان الكثير من الامراض تعتبر امراضاً عضوية (Organic disease).

 

تصنيف البكتيريا – هل البكتيريا حيوان ام نبات؟

عند اكتشاف البكتيريا احتار علماء التصنيف في ماهيتها اذ انه لم يكن يوجد الا مملكتين في عالم الكائنات الحية: مملكة الحيوان ومملكة النبات, ولكنهم وجدوا ان البكتيريا لا يمكن اعتبارها نباتاً اذ ان جدارها الخلوي يختلف اختلافاً جذرياً عن النبات وكذلك لا يوجد عند البكتيريا غلاف للنواة والاغلبية الساحقة من البكتيريا ليس لديها عملية البناء الضوئي (Photosynthesis) الذي يعتبر مصدر الطاقة عند النبات. كما انه لا يمكن ضم البكتيريا الى مملكة الحيوان لاختلافها اختلافاً جذرياً عن الحيوانات. فاضطر العلماء الى ايجاد مملكة ثالثة اطلقوا عليها اسم بروتيستا (Protista) تضم الميكروبات او الكائنات المجهرية بما في ذلك البكتيريا. هذا التصنيف لم يعتمد اسساً علمية بل جاء كحل لمشكلة طرأت عند اكتشاف البكتيريا وعرف هذا التصنيف تحت اسم المملكات الثلاث (Three kingdoms) اي الحيوان والنبات والبروتيستا وجاءت البكتيريا جزءاً بسيطاً من المملكة الثالثة.

ثم جاء تصنيف Wittacher في عام 1969 الذي فصل الفطريات عن النبات واعتبرها مملكة قائمة بحد ذاتها ثم فصل البكتيريا عن مملكة البروتيستا ووضعها في مملكة اخرى اسمها مونيرا (Monera) وبالتالي اصبح التصنيف الجديد معروف تحت اسم الممالك الخمس: مملكة الحيوان, مملكة النبات, مملكة الفطريات, مملكة البروتيستا التي بقي فيها الحيوانات الاحادية الخلية (Protozoa) ومملكة المونيرا التي تضم البكتيريات.

 ظل تصنيف البكتيريا على هذا النحو الى ان اكتشف العالم المعاصر كارل ويز (Carl Woese) البكتيريات التي تعيش في ظروف غاية في الصعوبة كحرارة عالية تفوق المئة درجة او درجة حموضة عالية او منخفضة او تحمل نسبة عالية من الضغط كالبكتيريا التي تعيش في اعماق المحيطات او في عمق 9000 قدم تحت الارض او البكتيريا التي تستمد طاقتها من خلال انتاج غاز الميثان (Methane). أطلق كارل ويز على هذه البكتريات اسم اركيابكتيريا (Archeabacteria). وتمتاز الاركيابكتريا بتأقلمها على المناخات الغير اعتيادية والتي تشبه الارض البدائية من حرارة ودرجة حموضة ومتطلبات غذائية مما دفع بالعلماء بالاعتقاد المنطقي بوجود حياة خارج الارض (9,8,7).

بعد هذا الاكتشاف, قام العالم كارل ويز في عام 1980 باعادة عملية تصنيف جميع الكائنات الحية على اساس علمي ومنطقي, ويقوم هذا المعيار على مقارنة تسلسل قواعد الشيفرة الوراثية لمورثة موجودة عند كل الكائنات الحية وتتمتع هذه المورثة بوظيفة مهمة وهي انتاج ال رن ا الريبوزومي ( (16s Ribosomal RNA إذ أنه من المعروف أن الجينات التي لها وظائف مهمة أو حياتية للخلايا لا يطرأ عليها كثير من التغيرات خلال التطور مثل الجينات التي تنتج ال رن ا الريبوزومي التي تكون الريبوزومات لما لها من دور كبير في عملية إنتاج البروتينات وأي خلل في الريبوزومات هو خلل مميت للخلية لا محالة (10). لذلك استعمل كارل ويز (Carl Woese) هذه الجينات في عملية التصنيف كساعات زمنية بيولوجية لقياس التطور بين الكائنات الحية مجتمعة بما في ذلك الحيوان والنبات والميكروبات التي تضم البكتيريا والفطريات والطفيليات (11). جاءت النتيجة مفاجئة للجميع ومغايرة لكل التصنيفات الماضية اذ أظهرت ان البكتيريا التي لم تكن في التصنيفات الماضية الا جزءاً من مملكة البروتيستا الى جانب مملكة النبات والحيوان باتت تشكل ثلثي الكائنات الحية اذ اظهر تصنيف ويز توزع الكائنات الحية مجتمعةً الى ثلاث مملكات ولكن الملفت ان مملكتين من الثلاث تتكون من البكتيريا اما بقية الكائنات الحية بما في ذلك النبات والانسان والحيوان والفطريات والطفيليات كلها موجودة في المملكة الثالثة. وباختصار اظهرت عملية التصنيف المعتمدة على معايير علمية لا غبار عليها ان البكتيريا وحدها تشكل ثلثي الكائنات الحية وبقية الكائنات الحية مجتمعة تشكل الثلث الاخر. وفي التفاصيل ان التصنبف الجديد اظهر وجود ثلاث مملكات وهي:

- المملكة الاولى تتضمن ما يسمى بالبكتيريا الحقيقية (Eubacteria): وهي البكتيريات التي تعيش في ظروف طبيعية وتضم ايضاً البكتيريا الممرضة للانسان.

- المملكة الثانية وتتضمن البكتيريا التي تعيش دون اية مشكلة في ظروف ومناخات صعبة للغاية وهي الاركيابكتيريا  (Archeabacteria).

- المملكة الثالثة تسمى ايوكاريا (Eucarya) وتتضمن بقية الكائنات الحية من حيوان ونبات وفطريات وطحالب وطفيليات (9). (الشكل 2)

 

مراحل النمو (Growth) عند البكتيريا: البكتيريا تعمل للبقاء.

عندما نتحدث عن النمو بشكل عام عند الكائنات الحية كالانسان أو الحيوان أو النبات فهو زيادة في الوزن فعندما نقول عن طفل ولد ووزنه ثلاثة كلغ ثم اصبح عشرون كلغ في عمر الاربع سنوات, من السهل علينا هنا فهم معنى النمو. ولكن يستخدم مصطلح النمو في علم البكتيريا ليدل على تغيرات في المحصول الكلي للخلايا أكثر من أن يدل على تغيرات في الخلية الواحدة. ولا تحدث الزيادة في العدد (التكاثر) إلا بعد أن يحصل تضاعف لمحتوى الخلية الواحدة التي بزيادة محتواها تتهيأ للانقسام وبالتالي زيادةً أو تضاعفاً في عددهـا. فالنمو عند البكتيريا اذاً هو زيادة في اعدادها وتتكاثر البكتيريا بطريقة لا جنسية دون التحام بكتيريا ذكر ببكتيريا انثى وهذه الطريقة تسمى الانشطار الثنائي (binary fission) حيث تنقسم الخلية الام بعد ان تكون قد ضاعفت شيفرتها الوراثية الى خلييتين ثم كل خلية تنقسم بدورها الى قسمين فيصبح المجموع اربعة بكتيريات. فيحدث النمو ضمن تتابع عددي 1, 2, 4, 8, 16, 32, 64, 128, 256, ...هذه الارقام ترمز الى اعداد البكتيريا بعد كل عملية انقسام. ان المعدل الوسطي للوقت بين الانقسام والاخر هو عشرون دقيقة وهذا يدل على سرعة النمو لدى البكتيريا في حال توفرت لها البيئة المناسبة (13,12).

من المعلوم انه في حال وجدت البكتيريا في بيئة جديدة فان نموها (اي زيادة عددها كما فسرنا انفاً) سيمر بعدة مراحل (الشكل 3):

المرحلة الاولى: وهي التأخر عن بداية النمو والتكاثر (Latency phase, Lag phase) اي ان مستوى نمو البكتريا صفر. وهذه الفترة هي فترة تأقلم البكتيريا على بيئتها الجديدة وخلال هذه الفترة تقوم البكتيريا بعملية استكشاف هذه البيئة ولمحتوياتها لتتأقلم عليها اي انها تمثل عملية تحضيرية للانطلاق في النمو بأقصى معدل. وبالمعنى العلمي يتم في هذه المرحلة عملية ترجمة مجموعة الجينات التي تمكن البكتيريا من العيش والتكاثر في هذه البيئة. فمثلاً في حال وجود سكر اللاكتوز تقوم البكتيريا بانتاج الانزيم لهضم سكر اللاكتوز. والجدير ذكره ان البكتيريا لا تمر بهذه المرحلة وهي مرحلة الانتظار اذا نقلت الى بيئة جديدة تكون بنفس مواصفات البيئة القديمة اذ يكون كل الاجهزة لدى البكتيريا جاهزة وليس من حاجة الى تغييرها ففي هذه الحالة تتابع البكتيريا نموها دون اي تأخير.

المرحلة الثانية: مرحلة النمو التصاعدي (Exponential phase). بعد ان تكون البكتيريا قد استكشفت البيئة الموجودة فيها وجهزت العدة اللازمة لاستغلال هذه البيئة للنمو والتكاثر تبدأ عملية النمو التصاعدية وهنا يكون مستوى النمو في اقصى معدل له ولا شيئ يعيقه وخلال كل عملية انقسام يتضاعف عدد البكتيريا. في هذه المرحلة من النمو تكون البكتيريا في احسن احوالها فمصادر الغذاء متوفرة وليس هناك اي عامل ضغط عليها.

المرحلة الثالثة: مرحلة الثبات (Stationary phase). هنا بدأ الغذاء ينفذ وبدأت الفضلات الناتجة عن نمو البكتيريا تتراكم وهذا العاملان يشكلان ضغطاً على البكتيريا فتبطء عملية النمو ويصبح عدد البكتيريا التي تنقسم يساوي عدد البكتيريا التي تموت وبالتالي يكون مستوى النمو في هذه المرحلة صفر اذ ان هناك توازن بين عدد الخلايا التي تتوالد والخلايا التي تموت. ولكن في هذه المرحلة تبدأ المنافسة بين البكتيريا وتبدأ عملية الابداع تدفعها غريزة حب البقاء. في هذه المرحلة تبدع البكتيريا بكل معنى الكلمة فنجدها تقوم بمجهود كبير للحفاظ على حياتها وسط الضغط المتمثل في نقص الغذاء وتراكم الفضلات عل هذا المجهود يخلصها مما هي فيه. فبعض البكتيريا تقوم بانتاج مضادات حيوية قاتلة للتخلص من رفيقاتها عل المنافسة على الغذاء تقل ومن هنا اكتشفت المضادات الحيوية (Antibiotics) التي استعملها الانسان في علاج الامراض الجرثومية, اذ ان المصدر الاول لهذه الادوية هي الميكروبات نفسها, ولكن العجب ان هذه المضادات لا تظهر الا في هذه المرحلة الصعبة من حياة البكتيريا وهذا نموذج عن الاقتصاد والتأقلم والذكاء عند هذه الكائنات الحية المجهرية (15,14). تعتبر هذه المرحلة من حياة البكتيريا مرحلة مهمة استغلها العلماء في علم التقنية الحيوية (Biotechnology) اذ في هذه المرحلة من الضغط تقوم البكتيريا بانتاج مواد كيميائية او ما يعرف بالايضات الثانوية (Secondary metabolites)لم تكن تنتجها في الحالة الطبيعية والمثال على ذلك المضادات الحيوية وسنأتي الى تفصيل موضوع المضادات الحيوية في سياق هذا البحث. ونجد بكتيريا اخرى وسط هذه الازمة تتحول الى شكل ساكن يسمى الابواغ (Spores) يستطيع تحمل كمية عالية من الظروف القاسية كالحرارة العالية والبرودة القاسية والجفاف ونقص الغذاء والماء وهذه الاشكال المقاومة تضمن للبكتيريا العودة الى الحياة مجدداً فور تحسن الظروف المحيطة بها (17,16). ولقد سجل العلماء ارقاماً قياسية لبقاء هذه الابواغ (الاشكال الساكنة للبكتيريا) على قيد الحياة وعودتها مباشرة الى الحياة فور تحسن الظروف حتى انه تم اكتشاف ابواغ لبكتيريا تسمى Bacillus  في تجمعات ملحية كريستالية مدفونة تحت الأرض بعمق حوالي 609 أمتار في مدينة نيومكسيكو تعود الى 250 مليون سنة وعادت هذه البكتيريا الى الحياة مباشرة عند وضعها في بيئة ملائمة. ولكن الجدير ذكرة ان عدداً قليلاً من البكتيريات لديها خاصية التحول الى شكل نائم (18). (الشكل 4)

وباختصار يمكننا القول انه في هذه المرحلة من حياة البكتيريا يكون البقاء للأقوى.

المرحلة الرابعة : الصراع ضد الموت (Death phase)

في هذه المرحلة نفذ الغذاء كلياً وتراكمت الفضلات وبدأت البكتيريا تموت ولكن هذه المرحلة قد تطول كما يبين الشكل 3 اذ ان البكتيريا لا تموت كلها في نفس الوقت اذ نشهد في هذه المرحلة صراع البكتيريا ضد الموت, انه صراع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. هنا تبدأ بعض البكتيريات بالتحلل فاذا بالبكتيريات الاخرى التي ما زالت على قيد الحياة تستعمل المواد الناتجة عن التحلل كمصدر للغذاء والطاقة وهكذا فالبكتيريا تأكل بعضها بعضاً, فالتي تموت اولاً تستعمل كغذاء للتي مازالت حية. اما أواخر البكتيريات الحية فهي تدخل في خطة توفيرية اقتصادية كبرى فنراها قد توقفت عن الانقسام, فالجدير في هذه المرحلة العصيبة ان تفعل ذلك اذ ان الخلية الام لا تجد مصادر للغذاء فلماذا الانقسام الى خليتين في ظل هذه المعاناة فكأني بالبكتيريا تنظم نسلها. وتقوم البكتيريات في آخر عمرها ايضاً بهضم بعض الاجهزة والمكونات لديها والتي يمكن ان تستغني عنها ظناً منها انه عندما تتحسن الظروف تقوم بانتاج غيرها كهضم بعض البروتينات والريبوزومات والرنا وذلك كله لانتاج الطاقة الغير متوفرة في البيئة الخارجية للبكتيريا. واذا نظرنا الى هذا السيناريو اقل ما يمكننا ان نقول فيه انه صراع أليم ضد الموت وقدرة هائلة على التأقلم في هذه الظروف الصعبة اودعها الله في هذه الكائنات المجهرية البسيطة.

 

الاقتصاد عند البكتيريا

قد يستغرب الكثيرين عندما نتحدث عن التوفير والاقتصاد عند البكتيريا ولكن هذه الكائنات الحية كما الانسان عندها هذه الخاصية – خاصية التوفير – والمقصود هنا ان البكتيريا تحاول قدر المستطاع توفير الطاقة وعدم استنفذاها للحفاظ على مخزون من الطاقة يساعدها للبقاء على قيد الحياة كما ان لدى البكتيريا اجهزة تساعدها في عملية التوفير. افضل مثال على ذلك هو عملية هضم السكريات لدى بكتيريا الاشريشيا القولونية (Escherichia coli). هذه البكتيريا لديها انزيمات او ما يعرف بالخمائر لهضم سكر الغلوكوز وسكر اللاكتوز وهذه الانزيمات كما كل البروتينات في الخلية مصدرها جينات موجودة على كروموزوم البكتيريا ويتم قراءة هذه الجينات بواسطة الريبوزومات لتصبح في النهاية انزيمات. ولكن عملية قراءة الجينات في اي خلية كانت عملية تحتاج الى طاقة كبيرة على شكل مركب فوسفاتي (ATP) اذ يجب اولاً نسخ ر ن ا مرسال (Messenger RNA) من الجين المؤلف من د.ن.أ (DNA) ليتم قراءة او ترجمة الرنا المرسال داخل الريوزومات (Ribosomes) الى بروتينات وانزيمات (الشكل 5). وفكرة الاقتصاد عند بكتيريا الاشريشيا القولونية تتمثل انه لا تتم ترجمة جين معين الا عند الحاجة للانزيم الذي يعطيه هذا الجين اي بمعنى اخر ان عملية ترجمة الجينات لدى البكتيريا الى انزيمات وبروتينات لا تتم لكل الجينات في نفس الوقت انما كل جين قد يترجم او لا يترجم حسب حاجة البكتيريا اليه. اما التجربة التي برهنت على ذلك هي انه عندما وضعت بكتيريا الاشريكية القولونية والتي كما ذكرنا عندها جينات خاصة لهضم سكر الغلوكوز وسكر اللاكتوز عندما وضعت هذه البكتيريا في بيئة تحتوي فقط على سكر الغلوكوز لم تكن البكتيريا تترجم الجين الخاص بهضم سكر اللاكتوز, وعندما نقلت هذه البكتيريا الى بيئة تحتوي سكر اللاكتوز عندها فقط بدأت البكتيريا بترجمة الجين الخاص بهضم سكر اللاكتوز. وهنا مبدأ التوفير والاقتصاد عند هذه البكتيريا فكأني بها تقول لماذا استنزاف الطاقة في غير محلها ولماذا ترجمة الجين الخاص بهضم اللاكتوز وهذا الاخير غير موجود؟ وعندما اصبح موجوداً في البيئة الثانية قامت البكتيريا بترجمة الجين الذي يعطي الانزيم الخاص لسكر اللاكتوز. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف علمت البكتيريا انه في البيئة الاولى اللاكتوز غير موجود وانه في البيئة الثانية بات موجوداً؟ انه نظام معقد مؤلف من عدة جينات خاصة لهضم سكر اللاكتوز تسمى اوبرون لاكتوز (Operon lactose). في البيئة الاولى الخالية من اللاكتوز هذه الجينات لم تكن تعمل بسبب وجود بروتين ملتصق بالدنا يمنع عملية تحويل الدنا الى رنا مرسال. اما في البيئة الثانية فان اللاكتوز التصق بهذا البروتيين المانع وغير من شكله مما افقده قدرة الالتصاق بالدنا مما جعل عملية تحويل الدنا الى رنا مرسال وبالتالي ترجمته الى الانزيم الهاضم لللاكتوز تتم (الشكل 6). وهناك بعض النظريات التي تفسر هذا التصرف للبكتيريا بأنه يرجع الى الحجم الدقيق لهذا الكائن حيث لا تستوعب مساحة الخلية الواحدة وجود هذا الكم الهائل من جزيئات الانزيمات المحللة للمواد المختلفة وعلى ذلك فالبكتيريا يوجد داخلها بصورة دائمة مجموعة الانزيمات المحللة للمواد المعتادة والمنتشرة في البيئات المختلفة اما المركبات الغير تقليدية (وقليلة الانتشار) فان الجينات المسؤولة عن انتاج الانزيمات الخاصة بتحللها تعمل فقط عندما تتواجد هذه البيئات بالكيفية المذكورة سابقاً وقد تستغرق بعض الوقت لانتاجها.

هذا مثال عن عملية التوفير لدى البكتيريا بان لا تقوم بانتاج انزيم الا عند توفر المادة الخاصة بهذا الانزيم (substrate) (19). وهناك امثلة اخرى عديدة عن فكرة التوفير والاقتصاد لدى البكتيريا مثل عملية فرز المضادات الحيوية من قبل البكتيريا والتي لا تتم الا في حالات معينة غير مؤاتية بالنسبة للبكتيريا كما سنبين لاحقاً في هذه البحث.

 

اكتشاف ادوية المضادات الحيوية

بدأت قصة اكتشاف المضادات الحيوية أثر سلسلة من التجارب قام بها طبيب إنجليزي يدعى الكسندر فلمنغ (Alexander Fleming) عام 1928م. قام فليمنغ بزرع جرثومة تسمى ستافيلوكوكوس (Staphylococcus aureus) وذهب في عطلة لمدة اسبوعين وعند عودته لاحظ فليمنغ وجود فطر (عفن) ينمو في الطبق الذي زرع فيه الجراثيم. وكانت المصادفة وحدها هي التي دفعت فليمينغ لعدم ترك العينة في حافظة دافئة وكانت لندن وقتها آنذاك تعرضت لموجة باردة مما أتاح للعفن الفرصة لأن ينمو. لفت نظر فليمنغ أن المستعمرات الجرثومية المحيطة للفطريات قد توقف نموها وماتت (الشكل 7). أخذ فليمنغ يبحث عن تفسير لتلك الملاحظات حتى تأكد أخيراً أن هذا العفن يفرز مادة تبيد الجراثيم، بعدها اتجهت محاولاته إلى فصل تلك المادة وفعلاً استطاع الحصول على المادة وأطلق عليها اسم البنسلين (Penicillin) نسبة إلى نوع الفطر الذي أفرزها المعروف باسم بنسيليوم (Penicillium). إلا أن فليمنغ لم يكن كيميائياً فلم يستطع استخلاص البنسلين بشكل نقي ولم تستفد البشرية من البنسلين إلا بعد 11 عاماً ففي عام 1939 وصلت عينة من اكتشاف عفن فليمينغ الى يد فريق من العلماء في جامعة اكسفورد تحت قيادة فلوري (Florey) وهو عالم وظائف حيوية من اصل أسترالي كان فريقه بارعاً ودقيقاً في عمله بالأخص كيميائي شاب اسمه تشاين (Chain) وكان من ابرز العلماء في هذا الفريق الذي كرس جهده لتحليل وعزل المواد المختلفة من العفن من اجل قتل البكتيريا. وبعد عدة محاولات تمكن الفريق من عزل مادة البنسلين من العفن بكميات كافية للقيام بتجربة لم يجرها فليمينغ ونجحوا في حقن المادة في فأر بكميات قاتلة للبكتيريا وخلال عام نشرت نتائج أبحاث الفريق في عدة دوريات علمية. ومع انتشار الفكرة حول العالم بدأ علماء آخرون يقومون بتجارب لحقن المرضى بمادة البنسلين مما أدى الى نتائج رائعة في شفائهم. اما أول اختبار للبنسلين على الإنسان فكان عام 1941 حينما حقن شرطي كان مصاباً بالالتهاب وفي حالة احتضار، فتحسنت حالته بشكل ملحوظ ولكنه عاد ومرض ومات بسبب انقطاع البنسلين اذ كان العلماء وقتها يعيدون استخراج البنسلين من بول المريض لاعادة اعطاءه وفي كل مرة كانت تقل نسبة البنسلين. بعدها أخذت صناعة البنسيلين تنتشر على نطاق واسع مما أدى إلى إنقاذ حياة مئات الآلاف من الجرحى خلال الحرب العالمية الثانية.

 

هل المصادفة هي وراء اكتشاف فليمنغ للمضادات الحيوية؟

صحيح ان الفطر او العفن الذي نما على الطبق الذي زرع فيه فليمنغ الجراثيم كان بالصدفة ونتيجة تلوث وصحيح ان الطقس الذي مرت به لندن انذاك كان بارداً مما ساعد العفن بالنمو اذ من المعروف ان العفن يفضل النمو في مناخ بارد ورطب وهنا لاحظ فليمنغ ان المنطقة المحيطة بالعفن قد ماتت فيها الجراثيم ولكن لولا ان عقل فليمنغ لم يكن محضراً لتعليل ماشاهد واستخلاص النتائج من ذلك لما استطاع الوصول الى ما وصل اليه وهناك قول مأثور للعالم الفرنسي باستور (Chance favors the prepared mind) اي ان الحظ يفضل العقل المحضر. ونورد هنا على سبيل المثال ما حصل مع العالم نيوتن عندما كان جالساً تحت شجرة تفاح ووقعت تفاحةً على رأسه واكتشف عندها قانون الجاذبية. فكم وكم وقع التفاح والليمون على رؤوس اناس قبله دون ان يلفت نظهرهم شيئ، ولكن كون نيوتن كان عالماً فيزيائياً  يمضي اوقاته بالبحث والتفكير في قانون الجاذبية وكان عقله محضراً

استطاع من خلال هذه الحادثة البسيطة – الصدفة - ان يستخلص منها ما وصل اليه.

العصر الذهبي للمضادات الحيوية

يمكننا تعريف المضادات الحيوية بانها مواد كيميائية تفرزها كائنات حية مجهرية (Microbes) وهذا المواد لديها فعالية قتل البكتيريا ولكن دون التأثير على خلايا الانسان وهذا ما يميزها عن المواد المعقمة التي لا تميز بين البكتيريا وبين خلايانا مثل ماء الجافيل (Eau de Javel) لذلك نستطيع استعمال المعقمات خارج جسم الانسان وليس كعلاج. ويعود السبب ان المضادات الحيوية تتمتع بهذه الانتقائية (Selectivity) اي ان تأثيرها هو فقط على البكتيريا ان هدف هذه المضادات هي مواد واجهزة موجودة فقط عند البكتيريا وغير موجودة في الخلايا البشرية مثل الجدار الخلوي (bacterial wall) الذي يحمي البكتيريا من التحلل, وهنا توجد مجموعة كبيرة من المضادات الحيوية تقتل البكتيريا بواسطة تفكيك جدارها مثل مجموعة اللاكتامين (lactamines) وكون ان الخلايا البشرية ليس لديها على الاطلاق جدار خلوي فان خلايا الانسان تبقى بمنئى عن تأثير ادوية المضادات الحيوية في حال استعملت كعلاج. وبما ان تركيبة البكتيريا تختلف اختلافاً جذريا عن تركيبة خلية الانسان لذلك فانه يوجد اهداف كثيرة للمضادات الحيوية في البكتيريا وتلك الاهداف غير موجودة في خلايا الانسان. ولكن هذا لا يعني ان المضادات الحيوية ليس لديها اي تأثير جانبي داخل جسم الانسان اذ ان هذه المضادات هي في النهاية مواد كيميائية غريبة على جسم الانسان والبعض منها لديها اضرار على بعض وظائف الجسم وخاصة اذا استعملت بكميات اكبر من تلك المتعارف عليها (20).

بعد ان اكتشف فليمنغ اول مضاد حيوي استخرج من فطر البنسليوم, انصبت جهود العلماء على تجربة انواع اخرى من الفطر عما اذا كانت تفرز مضادات حيوية ثم توسعت التجارب لتشمل البكتيريا نفسها. كل ذلك كان بهدف ايجاد انواع اخرى من المضادات الحيوية غير البنسلين. وكنتيجة لهذه التجارب استطاع العلماء ايجاد مجموعات جديدة من المضادات الحيوية عن طريق الفطريات والبكتيريات. ووجد ان اعداداً كبيرة من الميكروبات تقوم بأفراز المضادات الحيوية وذلك بهدف الدفاع عن نفسها وخاصة في ظل وجود منافسة بين هذه الميكروبات على الغذاء او المكان. والملفت للنظر ان عملية أفراز مضاد حيوي من قبل بكتيريا لا تتم في الاوقات الطبيعية والتي تكون فيها البكتيريا دون ضغط تنافسي ويكون الغذاء متوفراً والحرارة طبيعية ولكن يتم انتاج هذه المضادات من قبل البكتيريا فقط في حال وجود ظروف غير طبيعية بالنسبة للبكتيريا كنقص في الغذاء او الحرارة او وجود منافسة مع بكتيريا اخرى. وهذا يدل ان عملية انتاج المضادات الحيوية من قبل البكتيريا تخضع لعملية تنظيم من قبل البكتيريا وهذا يدخل ضمن مفهوم الاقتصاد والتوفير عند البكتيريا كما بينا سابقاً (8). ولهذا السبب عندما يقوم العلماء في المختبر بتجربة بكتيريا معينة لمعرفة ما اذا كانت تفرز مضاد حيوي فانهم يضعونها في ظروف غير مؤاتية تحت الضغط (under stress) ذلك ان الجينات الخاصة لانتاج المضادات الحيوية لدى البكتيريا لا يتم التعبير عنها الا تحت الضغط الذي تعتبره البكتيريا انه جاء نتيجة منافسة مع بكتيريا اخرى, فكأني بالبكتيريا تقول لماذا استنزاف الطاقة في انتاج مضادات حيوية دون وجود بكتيريا منافسة (21,19).

وبهذه التجارب التي قام بها العلماء استطاعوا ايجاد اكثر من ماتئي نوع من المضادات الحيوية تختلف من حيث التركيبة الكيميائية ومن حيث فعاليتها اي مستوى تاثيرها على البكتيريا ومن حيث الطيف اي نوعية البكتيريات التي تؤثر عليها (Spectrum). فهناك انواع من المضادات الحيوية ما يكون فعالاً بشكل رئيسي على البكتيريا إلايجابية لصبغة غرام[1] (Gram positive bacteria)، ومنها ما يكون فعالاً ضد البكتيريا السالبة لصبغة غرام (Gram negative bacteria)، والبعض الآخر فعال ضد النوعين. ومنها مايقتل البكتيريا (Bactericidal) ومنها ما يمنع نموها (Bacteriostatic).

ومن أشهر مجموعات المضادات الحيوية مايلي:

- البنسلين ومشتقاته (Penicillin) وتعد هذه الأودية من أهم مجموعات المضادات الحيوية ومن أقدمها.

- السيفالوسبورينات (Cephalosporin).

- التتراسيكلينات (Tetracyclin).

- السلفوناميدات (sulfonamides).

- الماكروليدات (Macrolides).

- أمينوجلايكوسيدات (aminoglycosides).

- كلورامفينيكول (Chloramphenicol).

- الكينولون (Quinolones).

- ستربتومايسين (Streptomycin).

وتجدر الاشارة الى ان بعض هذه المركبات المفرزة طبيعياً من بعض الكائنات الدقيقة يتم تصنيعها كيميائياً لتقليل التكلفة عن تلك المنتجة طبيعياً.

 

هل فقدت المضادات الحيوية بريقها وهل بات عصرها الذهبي وراءنا؟

"الدواء المعجزة", هكذا وصف العلماء المضادات الحيوية منذ أكثر من خمسون عاماً اثر شفاء الالاف من المرضى وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن بعد فترة وجيزة من بداية استعمال المضادات الحيوية في علاج الامراض الجرثومية بدأ ظهور بكتيريا مقاومة لهذه الادوية اي ان هذه المضادات لا تؤثر عليها. هذه المقاومة فاجئت الجميع اذ انه لم تكن بالحسبان حتى العلماء الذين اكتشفوا هذه المضادات لم يكونوا متوقعين لهذه المقاومة وان أي من هؤلاء العلماء مثل فليمنغ وفلوري وتشاين لم يأت على ذكر هذا الاحتمال. والسبب في ذلك يعود الى عدم معرفة كل التفاعلات والتبادلات الوراثية الممكنة عند البكتيريا انذاك. اذ ان علم الوراثة المتعلق بالبكتيريا (Bacterial genetics) كان في بدايته عند اكتشاف المضادات الحيوية وهذا العلم هو وراء فهمنا لكيفية اكتساب البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية كما سنبين في الفقرة التالية.

ان أقل ما يمكننا قوله عن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية انها مقاومة شرسة, سريعة الظهور اذ ان اكتشاف مضاد حيوي وتجربته ودراسته والتأكد من عدم خطورته, كل ذلك يحتاج الى سنوات من العمل والبحث ونجد انه بعد سنة واحدة من بداية استعمال المضاد الحيوي الجديد كعلاج تستطيع البكتيريا ان تقاوم هذه الدواء كما هو مبين في الجدول التالي:

 

 

تاريخ ظهور المضاد الحيوي وبداية استعماله

تاريخ أول ظهور لبكتيريا مقاومة لهذا المضاد الحيوي

بانزيل-بنسلين (Benzyl-penicillin)

 

 1942

ستافياوكوكس اوريس مقاومة للبنسلين (Staphylococcus aureus)

1943

ميتيسللين (Methicillin)

 

 1960

ستافياوكوكس اوريس مقاومة للميتيسيللين (Staphylococcus aureus)

 1961

امبسللين (Ampicillin)

 

 1962

عصيات سالبة لصبغة غرام مقاومة للامبسللين (Gram negative rods)

 1964

السيفلوسبورين الجيل الثالث (Third generation cephalosporin)

 1980

عصيات سالبة لصبغة غرام مقاومة للسيفالوسبورين (Gram negative rods)

 1981

اميبنيم (Imipenem)

 

 1985

بسودوموناس اريجينوزا مقاومة للاميبينيم (Pseudomonas aeruginosa)

 1986

 

وبات العلماء يخشون من الوصول الى سوبر بكتيريا مقاومة لكل ادوية الالتهابات ذلك ان البكتيريا تتطور بسرعة فائقة (22). وهذا الخوف في محله اذ اننا لسنا بعيدين ابداً عن الوصول الى هذه الحالة, وخاصة ان الاحصاءات السنوية التي تقوم بها المؤسسات الصحية في العالم تشير الى تصاعد مستمر وغير رجعي (continuous and irreversible resistance) بنسب البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية ذلك انه متى اكتسبت البكتيريا مناعة ضد المضاد الحيوي فان هذه المناعة تنتقل الى اجيالها وتصبح هي الطاغية وخاصة في ظل تواصل استعمال المضاد الحيوي (25,24,23)

الحوار والتواصل الجيني بين البكتيريا هما سبب مقاومة المضادات الحيوية.

من المعلوم ان الطريقة التي تتكاثر بها البكتيريا هي طريقة لا جنسية اي انه لا يوجد هناك بكتيريا انثى وبكتيريا ذكر وليس هناك تزاوج بين البكتيريات. اذ ان البكتيريا تتكاثر بواسطة الانشطار الثنائي (Binary fission) وهذه الطريقة تعني ان البكتيريا الأم تنقسم لتعطي بكتيرتين متطابقتين تماماً للبكتيريا الام وهكذا. وبمعنى اخر ان هذه الطريقة في التكاثر عند البكتيريا تعني انه من المفترض ان البكتيريا التي كانت موجودة منذ ملايين السنين هي نفسها الموجودة في يومنا هذا ولديها نفس الصفات. ان المتأمل لهذا الكلام لا يستطيع ان يفسر اذاً كيف تتطور البكتيريا وكيف تكتسب صفاةً جديدة لم تكن لديها من قبل كمقاومة المضادات الحيوية.

ان تفسير هذه الامور جاء نتيجةً لتطور علم الوراثة الجرثومي (Bacterial genetics) الذي اوضح ان البكتيريا ليست نظاماً مغلقاً (closed system) وانها لا تعيش بمفردها بل ان هناك عملية تفاعل بين البكتيريات وهناك عملية تبادل في الجينات بين بكتيريا واخرى, وان البكتيريا خلال حياتها يمكنها ان تكتسب صفاةً جديدة من خلال اكتسباها لجين او مورث من بكتيريا ثانية (29,28,27,26). هذا الجين قد يفيدها ويعطيها قدرة على مقاومة المضادات الحيوية كما سنبين لاحقاً. وبهذا الاتصال الجيني بين البكتيريات يمكن ان تظهر بكتيريا جديدة تسبب مرضاً جديداً وهذا ما يفسر مثلاً ظهور مرض الليجيونللوز (Legionellosis) وهو عبارة عن التهاب رئوي تسببه بكتيريا جديدة اسمها Legionella pneumophila لم تكن معروفة قبل العام 1977 (30).

تستطيع البكتيريا الحصول على مورث جديد بثلاثة طرق مختلفة (الشكل 8):

- اما ان تقوم البكتيريا وخاصة عندما تكون تحت الضغط (Under stress) بعمل ثغرات في جدارها وتقوم بتمرير قطع من الد.ن.أ. الحرة (Free DNA) من الخارج الى الداخل وهذا الد.ن.أ. يكون موجوداً في البيئة المحيطة بالبكتيريا نتيجة تحلل البكتيريات الاخرى. تسمى هذه الطريقة "تحول البكتيريا" (Bacterial transformation).

- الطريقة الثانية لاكتساب البكتيريا لمورثات جديدة هي من خلال عملية "اتصال مباشر" بين بكتيريتين وهنا يمتد جسر او قناة بين هاتين البكتيرتين ومن ثم يمر الد.ن.أ. من بكتيريا الى اخرى وهذه العملية تسمى الاقتران (conjugation). والجدير ذكره انه رغم وجود هذه العملية في عالم البكتيريا الا اننا لا نستطيع اطلاق كلمة تزاوج عند البكتيريا اذ ان عملية الاقتران هي عملية سريعة ولا يتم تبادل كل الكروموزوم الموجود عند البكتيريا. ولكنه يمكننا اعتبار ان عملية الاقتران التي تحصل عند البكتيريا هي اقرب ما تكون بعملية التزاوج الجنسية (الشكل 9).

- الطريقة الثالثة هي عملية تبادل غير مباشرة بين البكتيريات وتتم هذه العملية عن طريق ناقل او حامل للشيفرة الوراثية من بكتيريا الى اخرى وهذه الناقل هو فيروس البكتيريا (Bacteriophage). يقوم الفيروس بالهجوم على بكتيريا وخلال عملية الهجوم من الممكن ان يحمل الفيروس قطعة من الشيفرة الوراثة الخاصة بالبكتيريا وينقلها الى بكتيريا ثانية خلال هجوم اخر وهكذا يكون قد حصلت عملية تبادل غير مباشرة بين البكتيريتين عن طريق الفيروس (28) (الشكل 10).

       

ان هذه العمليات الثلاث التي تحصل في عالم البكتيريا والتي يتم خلالها تبادل في الشيفرة الوراثية بين البكتيريا والتي يمكننا ان نطلق عليها اسم الاتصال الجرثومي (Bacterial communication) تفسر لنا كيف انه من الممكن ان تكتسب البكتيريا صفاةً جديدة مثل تأقلمها على بيئة جديدة او مقاومة للمضادات الحيوية او تغير في التفاعلات الكيميائية لديها او اكتسابها لقدرة مرضية فالبكتيريا تتعاون فيما بينها وكل خلية تعطي افضل ما لديها من مورثات لاجل بقاء وصمود مجموع الخلايا البكتيرية (35,34,33,32,31).  

ان للمضاد الحيوي اهدافاً داخل البكتيريا يستطيع مهاجمتها فيتسبب اما بقتل البكتريا او بمنعها من مواصلة النمو والتكاثر, ومن اهم هذه الاهداف:

- الجدار الخلوي (Bacterial wall): وهنا تخسر البكتريا البنية الخارجية التي تحميها فتتعرض للتحلل والموت.

- الريبوزومات (Ribosomes): من المعلوم ان وظيفة الريبوزوم هو عملية ترجمة الرنا المرسال الى بروتينات ومن خلال مهاجمته ومنعه من ممارسة وظيفته تخسر البكتريا عملية انتاج البروتينات.

- الشيفرة الوراثية (DNA): هنا يهاجم المضاد الحيوي الانزيمات المسؤلة عن الحفاظ على بنية الد.ن.أ. والدنا هو العنصر الاساس والاهم في كل خلية حية وليس فقط في البكتريا.

- الغشاء الخارجي (outer membrane): بعض المضادات الحيوية تؤثر على الغشاء الخارجي وهو موجود فقط عند البكتيريا السالبة لصبغة غرام مما يجعل فعالية هذه المضادات محصورة بهذه البكتيريات (Gram negative bacilli).

 

وبالتالي كي ينجح المضاد الحيوي بقتل البكتيريا, يجب عليه ان يخترقها اولاً وان يصل الى هدفه المحدد ثانياً وان لا يتعرض المضاد الحيوي لأي تكسير او تغيير ثالثاً. لذلك تعتمد البكتيريا في مقاومتها للمضاد الحيوي على ثلاثة طرق:

- اما ان تمنع دخول المضاد الحيوي لديها وذلك عن طريق افراز غشاء جديد من البروتينات الخارجية تحول دون دخول المضاد الحيوي.

- اما ان تدع البكتيريا المضاد الحيوي يدخل ولكن تشن عليه هجوماً كيميائياً بواسطة فرز انزيمات خاصة تحدث تكسراً او تغيراً في المضاد الحيوي مما يؤدي الى عدم فعاليته. وهذه الانزيمات التي تستخدمها البكتيريا لتفكيك المضاد تكتسبها من بكتيريات اخرى عن طريق التبادلات الجينية بينها. والعجيب في الامر ان البكتيريا استطاعت ان تطور انزيمات خاصة لكل نوع من انواع المضادات الحيوية.

- وأخيراً قد تفضل بعض البكتيريات مقاومة المضادات الحيوية بطريقة ذكية اخرى وهي التمويه وهنا تحدث البكتريا تغييراً طفيفاً في عضو معين من اعضاءها والذي يكون هو هدف المضاد الحيوي فعندها لا يستطيع المضاد الحيوي التعرف على هدفه فتبقى البكتريا بمنئى عن تأثيره دون اللجوء الى منعه من الدخول او من تكسيره (36).

كل هذه الخدع التي تقوم بها البكتيريا انما اكتسبتها بواسطة المورثات التي اخذتها من البكتيريات المحيطة بها كما بينا في الفقرة السابقة. 

وتجدر الاشارة هنا الى البلازميدات والتي هي تركيبات وراثية غير كروموسومية عبارة عن جزيئات صغيرة من الحمض النووي دنا "DNA" تتضاعف او تنسخ مستقلة عن الكروموسوم وهي تحمل صفات غير اساسية منها عوامل المقاومة (Resistance factor) وهي المورثات الخاصة بمقاومة المضادات الحيوية (على سبيل المثال) ويمكن ان تنتقل الى خلية اخرى تكسبها نفس الصفة.

زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية هي نتيجة لسوء تصرف الانسانية بكل افرادها.

صحيح ان بعض البكتريا تتمتع بمقاومة فطرية لبعض المضادات الحيوية (Natural resistance), الا ان المستوى الخطر والمنذر للمناعة التي اكتسبتها البكتريا ضد المضادات الحيوية هو بلا ادنى شك نتيجة لسوء تقدير هذه المضادات من قبل العالم اجمع ابتداءً من الانسان العادي (المريض), وصولاً الى الطبيب المعالج, مروراً بشركات الأغذية ومربي الماشية والمستشفيات والمؤسسات الصحية وبائعي وموزعي الدواء, مما ادى الى أخطاء جسيمة في استعمال وادارة المضادات الحيوية.

اما المريض فهو يتحمل المسؤولية بسبب الاستهلاك المفرط للمضادات الحيوية او عدم الالتزام بمدة العلاج المطلوبة اللازمة للتخلص الكامل من البكتريا المسببة للمرض, والطبيب يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية نتيجة وصفه للمضاد الحيوي في حالات لا تحتاج الى معالجة بل تشفى ذاتياً وتدل الاحصاءات ان من 50 الى 75 بالمئة من العلاج بالمضادات الحيوية هي في غير محلها. لذلك يجب ان يعلم الطبيب انه ليس مضطراً لوصف المضادات الحيوية لكل مريض لكي يشعر الطرفان بالراحة النفسية.

 اما الصيدلي فكذلك يتحمل مسؤولية بيعه للمضاد الحيوي دون وصفة طبية وقد تكون الازمة الاقتصادية هي وراء عدم زيارة الطبيب ولكن هذه لا يبرر ذلك التصرف اذ اننا أمام مشكلة عالمية ضخمة.

والمستشفيات هي عنصر أساسي لمنع انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية اذ ان المستشفى هي المكان الذي تستعمل فيه المضادات الحيوية القوية الواسعة الطيف (broad spectrum) بكميات كبيرة ونتيجة لذلك تعتبر البكتريات الموجودة في بيئة المستشفى بكتريا خطرة لناحية مقاومتها للمضادات وبالتالي ان على كل فريق المستشفى التعاون لمنع انتشار التهابات المستشفيات (nosocomial infection) اي الاتهابات التي يلتقطها المريض بعد دخوله الى المستشفى لسبب معين (37). وعلى المستشفى ايضاً تأسيس لجان خاصة لمكافحة عدوى المستشفيات والسيطرة على البكتيريا داخل المستشفى.

وأخيراً قد يستغرب البعض دور مصانع الغذاء ومربي الماشية في ظهور مقاومة البكتريا للمضادات الحيوية ولكنهم ولجهل وسوء تقدير منهم باتوا يلجؤون الى حقن الحيوانات بخليط من هرمونات النمو والمضادات الحيوية بشكل روتيني لكي يسرعوا من نمو الحيوانات ولكي لا تتعرض للأمراض فبتنا اشئنا ام لم نشأ نستهلك المضادات الحيوية مع الطعام الذي نأكله وباتت البكتريا في جسمنا (Normal flora) تتعرف على المضاد الحيوي دون اي داع لذلك فيقتل هذا المضاد بعض البكتيريا وتبقى البكتيريا القوية لتصبح هي الاكثر عدداً وانتشاراً. وهنا يأتي دور مؤسسات الرقابة على سلامة الغذاء وخاصة اللحوم في مراقبة الاغذية والحد من هذه الظاهرة.

ولا بد من الاشارة انه عند كل مرة يتدخل الانسان لتغيير مسار الطبيعة وسنن الله في الارض ظناً منه انه يطور الامور فاذا به يكتشف فيما بعد جسامة خطئه في هذه التدخلات. فها هو ايضاً حاول ان يسرع نمو الحيوانات باطعامها بروتينات حيوانية مطحونة بدل من ان تعتمد على الاعشاب كما خلقها الله فاذا بمرض البقرة المجنونة ينتشر وتتكبد الدول خسارة بملايين الدولارات نتيجة هذه التصرفات الرعناء.

 

والان بدأت المؤسسات الصحية العالمية تتنبه الى ظاهرة مقاومة البكتريا للمضادات الحيوية ومحاولة ايجاد طرق واستراتيجيات دولية للحد من هذه الظاهرة. ولكن للأسف ان ما اكتسبته البكتريا من مقاومة ومناعة ضد المضادات الحيوية غير قابل للعودة وما خسره العالم من قيمة وفعالية للمضادات الحيوية تجاه بعض البكتريا قد خسره الى الابد. ولا بد الان من التفكير جدياً والبحث ملياً عن بدائل للمضادات الحيوية للتخلص من الامراض الجرثومية.

البكتيريا: مصانع كيميائية متميزة للمستقبل

حتى العام 1950 كان علم البكتيريا يهتم فقط بدراسة البكتيريا الممرضة ولكن فيما بعد تطور هذا العلم ليشمل كل نواحي البكتيريا وخصائصها واصبحت البكتيريا النموذج الامثل لدراسة وتطور كثير من العلوم كعلم الوراثة (Genetics) وعلم الكيمياء الحيوية (Biochemistry) وعلم البيولوجيا الجزيئية (Molecular biology) وذلك لسهولة زرع البكتيريا وسرعة تكاثرها وسهولة دراسة التغيرات الطارئة عليها. وتوج استغلال البكتيريا مؤخراً في علم الهندسة الوراثية (Genetic engineering) وذلك من خلال استعمال الخلايا البكتيرية كمصانع بيولوجية وذلك بادخال جينات معينة لداخل البكتيريا حيث تقوم بترجمتها الى بروتينات وهرمونات وغير ذلك. لقد كان معلوماً انه بامكان البكتيريا ان تكتسب مورثات او جينات من بكتيريا اخرى كما بينا انفاً ولكن برهنت البكتيريا عن تفوق كبير حيث وصل الامر الى اعطاءها مورثات مختارة ومحددة ليس فقط من بكتيريا او من ميكروبة مماثلة ولكن حتى من خلايا الانسان وهذا الاتصال الجيني بين البكتيريا والانسان هو اتصال بين ابعد الكائنات الحية عن بعضها البعض اذ انه اتصال بين كائن حي مؤلف من خلية واحدة بدائية وبين الانسان وخليته المعقدة.

هذا الاتصال الجيني بين البكتيريا والانسان ان دل على شيئ فانما يدل على فقدان حدود الاتصال الجيني بين الكائنات الحية مجتمعة اذ بات بالامكان ادخال مورثة من نبات معين او من خلية بشرية او من اي خلية اخرى الى خلية بكتيرية حيث ستقوم بترجمة المورث الى البروتين المناسب ومن هنا جاءت تسمية البكتيريا بمصانع المستقبل (الشكل 11).

لقد بدأ تطبيق هذه الافكار بمحاولة انتاج الانسولين من البكتيريا وذلك بادخال جين الانسولين البشري الموجود في كل خلية من خلايانا الى بكتيريا الاشريشيا القولونية (Escherichia coli) وبالفعل بدأت البكتيريا تنتج هرمون الانسولين وبكميات ضخمة ذلك لسرعة نمو البكتيريا اذ ان خلية واحدة لديها جين الانسولين البشري ستصبح ملايين البكتيريات بعد ساعات فقط وتصبح كلها منتجة للانسولين. وبعد ان كان الانسولين يستخلص من انسجة البنكرياس الحيوانية بكميات ضئيلة وبطرق معقدة بات الان ينتج من البكتيريا بطريقة سهلة وبكميات كبيرة وبسرعة قصوى مما ساهم بانخفاض سعر الانسولين انخفاضاً بالغاً.

لقد فتح هذا الانجاز الباب واسعاً امام تجارب واستعمالات للبكتيريا لانتاج مواد كيميائية بشرية غريبة عن البكتيريا بواسطة ادخال جينات هذه المواد الى داخل البكتيريا وكامثلة عن هذه المواد نذكر الانترفيرون (Interferon) وهرمون النمو (Growth Hormone) والكثير من الفيتامينات كالغلوتامات (Mono sodium glutamate).

وكذلك استعملت البكتيريا لانتاج الكثير من اللقاحات (vaccine) اذ بات بالمكان اخذ الجين المسؤول عن انتاج البروتيين الذي يثير جهاز المناعة (Antigen) في فيروس معين واعطاء هذا الجين الى البكتيريا لتنتجه بكمية ونوعية عالية بدل استعمال اللقاحات التقليدية التي كانت تقتضي باعطاء فيروس حي مخفف (living attenuated) او فيروس ميت بواسطة مواد كيميائية (dead inactivated) حيث كان لهذه اللقاحات اضراراً جانبية من حيث عودة الفيروس الحي المخفف الى وتيرته الطبيعية الممرضة او ان تكون عملية قتل الفيروس غير مكتملة حيث يتسبب اللقاح بحدوث المرض. هذا وقد بينا سابقاً دور البكتيريا في انتاج الكثير من المضادات الحيوية وخاصة عندما تتعرض لضغط معين.

لقد بات من المؤكد انه سيصعب على الكيميائيين إنتاج هذه المواد الكيميائية والطبية بتكلفة اقتصادية منافسة لتكلفة إنتاجها بالبكتيريا.

وكذلك يمكن استغلال البكتيريا في تصنيع مركبات لا تنتجها في الحالة الطبيعية اي لا تنتجها عندما تكون في بيئة مناسبة من حيث الغذاء ومصادر الطاقة والنمو والحرارة ونسبة الحموضة ولكن اذا وضعناها تحت ضغط معين (under stress) كوجود بكتيريا اخرى تنافسها على الغذاء او كوجودها في بيئة فقيرة فهنا ستبدع البكتيريا وسنراها تنتج الكثير من المواد المفيدة للبشر والتي لم تكن تنتجها في الحالة الطبيعية (39,38,21). يمكننا القول انه اذا اردنا الابداع من البكتيريا يجب وضعها تحت الضغط اذ انها في هذه الحالة ستستنفذ كل طاقتها وكل ما عندها من قدرات كيميائية وجينية لتحافظ على نفسها وهذا يدخل ضمن خاصية حب البقاء عند البكتيريا كما بينا سابقاً.

ولا يقتصر استعمال البكتيريا على انتاج هذه المواد الطبية بل تستعمل هذه الجراثيم حالياً في محاربة التلوث (Bioremediation) مثل التلوث الذي ينتج عند حدوث تلوث نفطي نتيجة غرق او تحطم حاملة نفط مع ما يستتبع ذلك من خطر على البيئة او تلوث بمادة كيميائية صناعية نظراً لانتشار هذا القطاع الصناعي. اذ كانت الطرق التقليدية للقضاء على هذا التلوث طرقاً ميكانيكية بحتة تقتضي بمحاولة جمع المادة الملوثة ومنع انتشارها في اليابسة او البحر, وهذه الطرق البشرية غير مجدية وخاصة في تلوث البحر بالنفط ومشتقاته, اذ لا يستطيع احد السيطرة على تمدد المادة الملوثة في العمق وعلى الشواطئ والتاريخ الحديث مليئ بمثل هذه الكوارث وما سببته من مشاكل بيئية ضخمة لكثير من الدول. وهنا يأتي دور البكتيريا التي باستطاعتها هضم كثير من المواد الملوثة كالنفط ومشتقاته دون اي عناء منها اذ ان الكثير من المواد الملوثة تشكل وبكل بساطة مصدراً للطاقة والغذاء بالنسبة للبكتيريا مثل الفيول والبنزين وغيره ومن المعلوم ان البكتيريا تحتوي على 2000 من التفاعلات الكيميائية مما يمكنها من هضم وتحليل مجموعة ضخمة من المواد الكيميائية العضوية (41,40). وبالتالي يكفي اضافة البكتيريا الخاصة الى موقع التلوث بعد ان يكون قد حدد نوع المادة الملوثة وعندها ستقوم البكتيريا باستعمال المادة الملوثة كمصدر للطاقة وتبدأ بالنمو والتكاثر حتى التحلل الكامل للمادة الكيميائية الملوثة. انه بكل بساطة استغلال ايجابي رائع للبكتيريا (41).

ونورد هنا امثلة عن بعض المواد الكيميائية الملوثة التي يمكن للبكتيريا ان تحللها: وقود الديزل (Diesel fuels), البنزين (Benzene), زيوت المكابح (Brake fluids), النفتلين (Naphtalene), الكلوروفورم (Chloroform), النفط الخام (Crude oils), الزيوت الجارحة (cutting oils), الغازولين (Gazoline), زيوت التدفئة (Heating oils), الوقود النفاذ (Jet fuels), زيوت المحركات (Motors oils), مبيدات الاعشاب العضوية (Organic herbicides), مبيدات الحشرات العضوية (Organic pesticides), الزيوت النباتية (Vegetable oils), المتفجرات (TNT), مواد مشعة كالبلوتونيوم (Plutonium)...

 

الاستغلال السلبي للبكتيريا : الارهاب البيولوجي (Bioterrorism)

قنبلة الفقراء النووية (The poor man's atomic bomb), هكذا سمى العلماء السلاح البيولوجي الذي يستخدم البكتيريا رغم ان لا علاقة له بالاسلحة النووية ولكن هذا التسمية جاءت كون السلاح البيولوجي هو سلاح دمار شامل (Weapons of Mass Destruction) كما الاسلحة النووية (42).

فالسلاح البيولوجي يتضمن الإستعمال المتعمد بغية قتل الناس لمسببات المرض كالبكتيريا والفطريات والفيروسات والسموم الطبيعية التي تفرزها هذه الجراثيم. وتكمن الخطورة في القنابل البكتيرية بشكل خاص انها في متناول الجميع ولا يتطلب صنع هذه الاسلحة البكتيرية الا مختبر بسيط ومعلومات يمتلكها اي شخص تعلم علم الجراثيم ومن الصعب تخيل درجة الخطورة الناتجة عن استعمال السلاح البيولوجي. فالسلاح البيولوجي خطير جدًا بسبب فاعليته المذهلة، والتي تتمثل في بساطة تحضيره وثمنه الزهيد ويكفي رزم كمية قليلة من البكتيريا أو الفيروسات او السموم (Toxin) في قنبلة رخيصة الثمن, فعلى سبيل المثال 225 غم من سم بكتيريا بيتيولينيم (Clostridium botulinum) كاف لقتل جميع سكان المعمورة (44,43).

ومن الجدير ذكره ان فكرة السلاح البيولوجي ليست حديثة فمثلاً استعمل الصليبيون جثث المصابين بالطاعون لمحاربة الأعداء، كما استعمل الطريقة نفسها جنكيز خان وقذف بالجثث المصابة بالطاعون على أسوار المدن التي حاصرها في أوروبا، وأدى ذلك إلى انتشار الطاعون بسبب هرب السكان في شرق البلاد و غربها، وتم القضاء على 25 مليون شخص، أي ثلث سكان القارة الأوروبية في ذلك الزمان (46,45).

هناك خطورة كبيرة على البشرية جمعاء من الأسلحة البيولوجية المتوفرة في العديد من الدول، ذلك أنها تنتج من منشآت صغيرة، ويمكن إخفاؤها كما أن تكلفتها المادية غير باهظة. والخوف هو إنتاج مواد بيولوجية أشد خطورة، فيمكن مثلاً إنتاج مواد بيولوجية بحيث تؤثر على جنس من البشر دون الآخر. ولقد تغير مسار السلاح البيولوجي خلال العشرين سنة الماضية بسبب تطور علم الجراثيم وعلم البيولوجيا الجزيئية مما ينبؤا بتزايد خطورة هذا السلاح وخروجه عن المسار التقليدي وخاصة اذا لم تلتزم جمبع الدول بالمعاهدات والاتفاقيات الموقعة عليها وهذا ما هو حاصل في كثير من الدول. ومن اهم المعاهدات التي عقدت للبحث في موضوع السلاح البيولوجي معاهدة العاشر من نيسان 1972 التي وقعت عليها 158 دولة والتي تمنع تطوير او شراء او تخزين ميكروبات دون اي هدف طبي او علاجي او وقائي ولكن المشكلة كما ذكرنا انفاً تكمن في عدم الالتزام بهذه المعاهدة من قبل الكثير من الدول (50,49,48,47).

 


خلاصة

ان المتأمل في العناوين الواردة في هذا البحث قد يتفاجأ او يستغرب لضخامتها بالنسبة لبحث يتناول كائن حي مجهري هو البكتيريا مثل الاقتصاد والابداع والصراع ضد الموت ومقاومة المضادات الحيوية والبكتيريا مصانع متميزة وغير ذلك من المواضيع التي تعرضنا اليها ولكن قد يزول هذا الاستغراب عند القارئ نفسه عندما يدخل في تفاصيل البحث.

ومن الجدير ذكره انه لو نظرنا الى الوراء على تاريخ العلم لوجدنا ان هناك اهمالاً نحو دراسة العديد من الكائنات الحية مثل البكتيريا لمجرد انها لم تكن حيوانات راقية او نباتات راقية وهذا خطأ كبير بعد ان رأينا القدرات الهائلة السلبية والايجابية الموجودة في هذا الكائن الحي. لذلك نرى انه يجب اعادة النظر في القاء بعض التعابير على البكتيريا كوصفها بالخلايا البدائية او الخلايا الدنيا أو الاولية أو الكائنات الغير راقية على أساس انه ليس لديها نواة حقيقية واعتبار ان الخلايا التي لديها نواة حقيقية اي ان الكروموزومات عندها محاطة بغشاء هي الخلايا العلوية والمتطورة. فليس وجود هذا الغشاء أو عدمه, في نظرنا هو معيار التطور والرقي والتعقيد في الخلية وما قدمناه في هذا البحث يثبت التعقيد الهائل الموجود عند البكتيريا. أليس تأقلم البكتيريا في المناخات القاسية وصراعها ضد الموت, وقدرتها العالية على هضم مواد ملوثة, وتحاورها فيما بينها بواسطة تبادل الجينات, ومقاومتها الشرسة للمضادات الحيوية - تلك المعركة التي لن نربحها ابدً-  واستمرار فتكها بالانسان, وتميزها بالاقتصاد والتوفير من حيث تصنيعها للمواد عند الحاجة, أوليس أقل ما يقال عن كائن حي مجهري يتمتع بكل هذه الصفات انه ذكي؟.

 

 

 

 

 

 

الشكل 1. هذا رسم للبكتيريا ويظهر المواد التي تتألف منها:

- السوط المسؤول عن حركة البكتيريا

- جدار البكتيريا ووظيفته حماية البكتيريا واعطاءها الشكل المناسب

- الريبوزومات ووظيفتها ترجمة الشيفرة الوراثية (DNA) الى بروتينات

- الشعيرات الموجودة على سطح البكتيريا (Pili) ولها وظيفتان: الوظيفة الاولى هي التصاق البكتيريا على الانسجة في جسم الانسان والوظيفة الثانية هي تبادل المورثات بين البكتيريات.


 

 

 

 

 

الشكل 2. يظهر هذا الرسم شجرة الحياة. كل الكائنات الحية موجودة في هذه الشجرة. صممها العالم كارل ويز Carl Woese على اساس علمي وهو دراسة التتابع للمورثة 16S rRNA . ويظهر جلياً ان الكائنات الحية مجتمعة تنقسم الى ثلاثة أقسام وان اثنين من هذه الاقسام هي للبكتيريا وحدها وبقية الكائنات الحية كلها في مجموعة اخرى:

1- البكتيريا الحقيقية (True Bacteria, Eubacteria).

2- الاركيابكتيريا (Archaea) وهي البكتيريا التي تعيش في ظروف قاسية.

3- الايوكريا وتضم هذه المجموعة بقية الكائنات الحية من انسان وحيوان ونبات وفطريات وطحالب وطفيليات.

 

 

 

 

الشكل3. يظهر هذا الرسم المراحل الاربعة التي تمر بها البكتيريا

1- مرحلة التأخر (Lag phase) وهي مرحلة التأقلم والتحضير.

2- مرحلة النمو التصاعدي (Exponential growth phase) وهي مرحلة التكاثر القصوى حيث كل الظروف الغذائية مؤاتية وخاصة بعد ان انتجت البكتيريا ما يلزمها للتكاثر خلال مرحلة التأقلم.

3- مرحلة النمو الثابتة (Stationary growth phase). هنا بدأ الغذاء ينقص والفضلات تتراكم. ولكن في هذه المرحلة تبدأ البكتيريا بالابداع واستغلال اقصى ما عندها.

4- مرحلة الموت (Death phase). هذه مرحلة الصراع ضد الموت.


 

الشكل 4. هذه الصورة تظهر بكتيريا تسمى بسيللوس انتراسيس (Bacillus anthracis) المسؤلة عن مرض الجمرة الخبيثة. وهذه البكتيريا تستطيع ان تتحول الى اشكال مقاومة تسمى الابواغ (Spores) التي تستطيع ان تبقى لملايين السنين. وتقوم البكتيريا بالتحول الى ابواغ في ظروف بيئية صعبة فقط.

 

 

الشكل 5: هذه الصورة توضح عملية انتاج البروتينات داخل البكتيريا. المرحلة الاولى تسمى Transcription تبدأ هذه العملية بتحويل الشيفرة الموجودة على الدنا الى شيفرة اخرى موجودة على الرنا المرسال (messengerRNA, mRNA) الذي يعتبر وسيطاً او رسولاً بين الشيفرة الوراثية الام وبين الريبوزومات (Ribosomes) وهي الاجهزة التي تترجم الرنا المرسال الى بروتينات (Translation).

 

 

 

الشكل 6: Operon lactose

هذا الرسم يوضح عملية الاقتصاد عند البكتيريا والمثال هنا هو لانتاج الانزيمات التي تهضم سكر اللاكتوز. حيث انه في حال عدم وجود اللاكتوز (أعلى الصورة) لا تنتج البكتيريا هذه الانزيمات, اما عند وجود اللاكتوز (اسفل الصورة) تقوم البكتيريا بانتاج الانزيمات اللازمة لهضمه.

 

 

 

 

الشكل 7 :هذا الرسم يبين كيفية اكتشاف فليمنغ (Fleming) للمضادات الحيوية. تظهر هذه الصورة البيئة التي تنمو فيها البكتيريا وفي وسط البيئة نرى نمو مستعمرات الفطر المعروف باسم بنسليوم (Penicillium) ونرى ايضاً كيف ان مستعمرات البكتيريا قد نمت فقط بعيداً عن الفطر حيث ان الفطر قد أفرز المضاد الحيوي وقتل البكتيريا المحيطة به مما اوجد هذه الدائرة الخالية من البكتيريا المحيطة بالفطر وتسمى منطقة التثبيط (Inhibition zone).

 

 

 

الشكل 8. هذا الرسم يوضح الطرق الثلاثة للتحاور الجيني بين البكتيريا:

-الطريقة الاولى تسمى transformation وهي عندما تقوم البكتيريا الحية التي في وسط الرسم بالتقاط قطع من الشيفرة الوراثية من بكتيريا اخرى ميتة.

- الطريقة الثانية تسمى conjugation حيث تتصل خليتين بكتيريتين ببعضهما البعض مباشرة عن طريق قناة يعبر من خلالها الشيفرة الوراثية من بكتيريا الى اخرى.

-الطريقة الثالثة تسمى transduction حيث تتواصل البكتيريات بواسطة فيروس وسيط يسمى bacteriophage وينقل بعض الجينات من بكتيريا لأخرى.

 

 

 

الشكل 9. هذا الصورة الحقيقية الملتقطة بواسطة الميكروسكوب الالكتروني تظهر بشكل رائع عملية التحاور او التبادل الجيني بين البكتيريا ويظهر بوضوح كيف ان البكتيريا التي في اسفل الصورة قد مدت قناة طويلة لتلصقها على بكتيريا اخرى (في اعلى الصورة) لتعبر الشيفرة الوراثية عبر هذه القناة من بكتيريا الى اخرى. وهذا التحاور الجيني هو سبب تغير البكتيريا من حيث تأقلمها السريع ومن حيث اكتسابها لصفات جديدة كمقاومة المضادات الحيوية.

 

الشكل 10. هذه الصورة تظهر الفيروس آكل البكتيريا (Bacteriophage) لحظة التصاقه بها وهذا الفيروس ينقل الشيفرة الوراثية بين البكتيريات.


 

الشكل 11. هذا الرسم يوضح كيفية استعمال البكتيريا كمصانع حيث تقوم البكتيريا بانتاج مواد كيميائية بشرية مثل الهرمونات والانزيمات وغيرها. وتقتضي هذه الطريقة باستئصال الجين او المورث الذي نريد ترجمته من اي خلية بشرية ثم ادخاله الى داخل البكتيريا بواسطة البلازميدات. فتقوم البكتيريا بترجمته وانتاجه بطريقة نقية وبكمية كبيرة.

 

هوامش البحث

1- This is biology, The science of the living world by Ernst Mayr. The Belknap Press of Harvard University Press, Gambridge, Massachusetts, London, England, 1997.

ترجمه الى العربية د. عفيفي محمود عفيفي "هذا هو علم البيولوجيا". ونشر في سلسلة عالم المعرفة عام 2002.

 

2- Lederberg J. Infectious Disease as an Evolutionary Paradigm . Emerging infectious diseases.Volume 3, Number 4. October December 1997.

 

3- Eckburg PB, Bik EM, Bernstein CN, Purdom E, Dethlefsen L, Sargent M, Gill SR, Nelson KE, Relman DA. Diversity of the human intestinal microbial flora. Science. 2005 Jun 10;308(5728):1635-8. Epub 2005 Apr 14.

 

4- Savage DC: Microbial ecology of the gastrointestinal tract. Annu Rev Microbiol 31:107, 1977

 

5- Tannock GW: Normal Microflora. Chapman and Hall,London, UK, 1995.

 

6- Westall F. Evolution. Life on the early Earth: a sedimentary view. Science. 2005 Apr 15; 308 (5720):366-7.

 

7- Russell NJ, Kogut M. Haloadaptation: salt sensing and cell-envelope changes. Microbiol Sci. 1985 Nov;2(11):345-50.

 

8- Eriksson S, Hurme R, Rhen M. Low-temperature sensors in bacteria. Philos Trans R Soc Lond B Biol Sci. 2002 Jul 29;357(1423):887-93.

 

9- Woese, C.R., Kandler., Wheelis, M.L. 1990. Towards a natural system of organisms: proposal for the domains Archae, Bacteria and Eucarya. Proc. Natle. Acad. Sci., USA., 87: 4576-4579.

 

10- د. فؤاد دبوسي, "أجهزة اصلاح الشيفرة الوراثية (DNA) ومرض السرطان", مجلة عالم الفكر, الكويت, مجلد 33, العدد الاول, يوليو/سبتمبر 2004.

 

11- Dabboussi F, Hamze M, Elomari M, Verhille S, Baida N, Izard D & Leclerc H (1999). Pseudomonas libanensis sp. nov., a new species isolated from Lebanese spring waters. International Journal of Systematic and Evolutionary Microbiology (United Kingdom). 49, 1091-1101.

 

12- Villarino, A., Bouvet, O.M.M., Regnault, B., Martin-Delautre, S. and Grimont, P.A.D. (2000) Exploring the frontier between life and death in Escherichia coli: evaluation of different viability markers in live and heat- or UV-killed cells. Res. Microbiol., 151, 755–768.

 

13- Mandelstam J, McQuillen K, Dawes I (eds): Biochemistry of Bacterial Growth. 3rd Ed. Blackwell, Oxford, 1982.

 

14- Kolter R., Siegele D.A. & A. Tormo. The stationary phase of the bacterial life cycle. Annu. Rev. Microbiol. 1993; 47 : 855-74.

 

15- Bogosian G & Bourneuf EV. A matter of bacterial life and death. EMBO reports 2, 9, 770–774 (2001).

 

16- Armitage JP Bacterial tactic responses. Adv Microb Physiol. 1999;41:229-89.

 

17- Hellingwerf KJ. Bacterial observations: a rudimentary form of intelligence? Trends Microbiol. 2005 Apr;13(4):152-8.

 
18- Rees CE, Dodd CE, Gibson PT, Booth IR, Stewart GS. The significance of bacteria in stationary phase to food microbiology. Int J Food Microbiol. 1995 Dec;28(2):263-75.

 

19- Fukushima J, Inamoto T, Morihara K, Okuda K. Bacterial intercellular communication and environmental adaptation. Nippon Saikingaku Zasshi. 2000 Jan;55(1):37-43.

 

20- Gale EF, Cundliffe E, Reynolds PE et al: The Molecular Basis of Antibiotic Action. 2nd Ed. John Wiley & Sons, New York, 1981.

 

21- Connolly L, De Las Penas A, Alba BM, Gross CA. The response to extracytoplasmic stress in Escherichia coli is controlled by partially overlapping pathways. Genes Dev. 1997 Aug 1;11(15):2012-21.

 

22- Di Paola V, Marijuan PC, Lahoz-Beltra R. Learning and evolution in bacterial taxis: an operational amplifier circuit modeling the computational dynamics of the prokaryotic 'two component system' protein network.Biosystems. 2004 Apr-Jun;74(1-3):29-49.

 

23- Edwards C. Problems posed by natural environments for monitoring microorganisms. Mol Biotechnol. 2000 Jul;15(3):211-23.

 

24- Neu H: The crisis in antibiotic resistance. Science 257:1064, 1992.

 

25- Murray B: New Aspects of antimicrobial resistance and the resulting therapeutic dilemmas. J Infect Dis. 163:1185, 1991.

 

26- Bassler, B. L. (2002) Small talk: cell-to-cell communication in bacteria. Cell 109, 421–424.

 

27- Bassler BL. How bacteria talk to each other: regulation of gene expression by quorum sensing. Curr Opin Microbiol. 1999 Dec; 2 (6):582-7.

 

28- Zinder ND. Bacterial transduction. J Cell Physiol. 1955 May;45 (Suppl. 2):23-49.

 

29- Hartman PE Genetic exchange in bacteria. Mo Med. 1963 Apr;60:356-61.

 

30- McDade JE, Shepard CC, Fraser DW, et al: Legionnaires' disease: isolation of a bacterium and demonstration of its role in other respiratory disease. N Engl J Med 297:1197, 1977.

 

31- Strassmann, J. E. (2000) Bacterial cheaters. Nature 404, 555–556.

 

32- Searls, D. B. (2002) The language of genes. Nature 420, 211–217.

 

33- Norris V, Hyland GJ. Do bacteria sing? Sonic intercellular communication between bacteria may reflect electromagnetic intracellular communication involving coherent collective vibrational modes that could integrate enzyme activities and gene expression.
Mol Microbiol. 1997 May;24(4):879-80.

 

34- Taga ME, Bassler BL. Chemical communication among bacteria. Proc Natl Acad Sci U S A. 2003 Nov 25;100 Suppl 2:14549-54. Epub 2003 Aug 29.

 

35- Shapiro, J. A. (1998) Thinking about bacterial populations as multicellular organisms. Annual Review of Microbiology 52, 81–104.

 

36- Zhanel GG. Antibacterial drivers of resistance. Treat Respir Med. 2005;4 Suppl 1:13-8.

 

37- Garner JS, Jarvis WR, Emori TG et coll. CDC definitions for nosocomial infections, 1988. Am J Infect Control 1988 ; 16 : 128-40.

 

38- Henke JM, Bassler BL. Bacterial social engagements. Trends Cell Biol. 2004. Nov;14(11):648-56.

 

39- Holloway M. Talking bacteria. Sci Am. 2004 Feb;290(2):34-5.

 

40- Golden SS. Think like a bacterium. Conference on bacterial neural networks. EMBO Rep. 2003 Jan;4(1):15-7.

 

41- Aust SD. Bioremediation monitoring. Environ Health Perspect. 2005 Jul;113(7):A444.

42- Dando MR. Biological Warfare in the 21st Century: Biotechnology and the Proliferation of Biological Weapons, Londres, Brassey.s, 1994.

 

43- Hambleton P. Clostridium botulinum toxins: a general review of involvement in disease, structure, mode of action and preparation for clinical use. J Neurol. 239: 16, 1992.

 

44- Coffield JA, Considine RV, Simpson, LL. Clostridial neurotoxins in the age of molecular medicine. Trends in Microbiology 67: 67, 1994.

 

45- Ireland JH.A Review of: "Introduction to Weapons of Mass Destruction: Radiological, Chemical and Biological".Prehosp Emerg Care. 2005 Apr-Jun;9(2):248-9.

 

46- Henderson DA. The looming threat of bioterrorism. Science 1999; 283:1279-82.

 

47- Fidler DP. Bioterrorism, public health, and international law. Chic J Int Law. 2002 Spring;3(1):7-26.

 

48- Woodall JP. WHO and biological weapons investigations.Lancet. 2005 Feb 19-25;365(9460):651.

 

49

- Clarke SC. Bacteria as potential tools in bioterrorism, with an emphasis on bacterial toxins. Br J Biomed Sci. 2005;62(1):40-6.

 

50- Agarwal R, Shukla SK, Dharmani S, Gandhi A. Biological warfare--an emerging threat. J Assoc Physicians India. 2004 Sep; 52: 733-8.



[1] غرام (Gram) هو عالم بكتيريا طور طريقة لصبغ البكتيريا ولاحظ ان البكتيريا تنقسم الى قسمين: قسم يأخذ اللون وتسمى بكتيريا موجبة لصبغة غرام (Gram positive bacteria) والقسم الثاني لا يأخذ صبغة غرام وتسمى بكتيريا سالبة لصبغة غرام (Gram negative bacteria) ويختلف هذين النوعين من البكتيريا بتركيبة جدارها.

Scroll to Top